Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:122
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والِاحْتِمالُ الثّانِي: هو أنْ يُقالَ: التَّفَقُّهُ صِفَةٌ لِلطّائِفَةِ النّافِرَةِ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. ومَعْنى الآيَةِ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ فُقَهاءَ في الدِّينِ، وذَلِكَ التَّفَقُّهُ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يُشاهِدُونَ ظُهُورَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّ العَدَدَ القَلِيلَ مِنهم يَغْلِبُونَ العالَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهم بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ وأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إعْلاءَ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْوِيَةَ شَرِيعَتِهِ، فَإذا رَجَعُوا مِن ذَلِكَ النَّفْرِ إلى قَوْمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ أنْذَرُوهم بِما شاهَدُوا مِن دَلائِلِ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ، فَيَتْرُكُوا الكُفْرَ والشَّكَّ والنِّفاقَ، فَهَذا القَوْلُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ، قالَ: لِأنَّ هَذا الحِسَّ لا يُعَدُّ فِقْهًا في الدِّينِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا أنَّ القَوْمَ القَلِيلَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم سِلاحٌ ولا زادٌ يَغْلِبُونَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ كَثُرَ زادُهم وسِلاحُهم، وقَوِيَتْ شَوْكَتُهم، فَحِينَئِذٍ انْتَبَهُوا لِما هو المَقْصُودُ وهو أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِنَ البَشَرِ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ، ولَما بَقِيَ هَذا الدِّينُ في التَّزايُدِ والتَّصاعُدِ كُلَّ يَوْمٍ، فالتَّنَبُّهُ لِفَهْمِ هَذِهِ الدَّقائِقِ