Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:119
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ مَن دُفِعَ إلى طَلَبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ وأمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَكْذِبَ وبِأنْ يَصْدُقَ فَقَدْ عُلِمَ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْدِلَ عَنِ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، ولَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ بِصِدْقَيْنِ لَجازَ أنْ يَعْدِلَ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ، فَلَوْ كانَ الكَذِبُ يَحْسُنُ لِمَنفَعَةٍ أوْ إزالَةِ مَضَرَّةٍ لَكانَ حالُهُ حالَ الصِّدْقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا، ولِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَحْسُنَ لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ إذا كانَ مَصْلَحَةً، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يُوثَقَ بِأخْبارِهِ، هَذا ما ذَكَرَهُ في التَّفْسِيرِ، فَيُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الأوَّلِ إنَّ الإنْسانَ لَمّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ تَقْبِيحُ الكَذِبِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مُخِلًّا لِمَصالِحِ العالَمِ، صارَ ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنِهِ وصُورَةَ خَيالِهِ فَتِلْكَ الصُّورَةُ النّادِرَةُ إذا اتَّفَقْتَ لِلْحُكْمِ عَلَيْها حَكَمَتِ العادَةُ الرّاسِخَةُ عَلَيْها بِالقُبْحِ، فَلَوْ فَرَضْتُمْ كَوْنَ الإنْسانِ خالِيًا عَنْ هَذِهِ العادَةِ وفَرَضْتُمُ اسْتِواءَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في الإفْضاءِ إلى المَطْلُوبِ ؟ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نُسَلِّمُ حُصُولَ التَّرْجِيحِ، ويُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: إنَّكم تُثْبِتُونَ امْتِناعَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ قَبِيحًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَلَوْ أثْبَتُّمْ هَذا المَعْنى بِامْتِناعِ صُدُورِهِ عَنِ اللَّهِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ.