Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:119
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصُومٍ في كُلِّ زَمانٍ، إلّا أنّا نَقُولُ: ذَلِكَ المَعْصُومُ هو مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: ذَلِكَ المَعْصُومُ واحِدٌ مِنهم، فَنَقُولُ: هَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ مَعَ الصّادِقِينَ، وإنَّما يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ الصّادِقَ مَن هو لا الجاهِلَ بِأنَّهُ مَن هو، فَلَوْ كانَ مَأْمُورًا بِالكَوْنِ مَعَهُ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لَكِنّا لا نَعْلَمُ إنْسانًا مُعَيَّنًا مَوْصُوفًا بِوَصْفِ العِصْمَةِ، والعِلْمُ بِأنّا لا نَعْلَمُ هَذا الإنْسانَ حاصِلٌ بِالضَّرُورَةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ لَيْسَ أمْرًا بِالكَوْنِ مَعَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا بَقِيَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الكَوْنُ مَعَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ حَقٌّ وصَوابٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: الإجْماعُ حُجَّةٌ إلّا ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ الصِّدْقِ وكَمالِ دَرَجَتِهِ، والَّذِي يُؤَيِّدُهُ مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ: