Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ ظَنُّوا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ في بَيانِ التَّكالِيفِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ وأعْمالُ القُلُوبِ، وكُتُبُ الفِقْهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى شَرْحِ أقْسامِ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِأعْمالِ الجَوارِحِ، فَأمّا التَّكالِيفُ المُتَعَلِّقَةُ بِأعْمالِ القُلُوبِ فَلَمْ يَبْحَثُوا عَنْها البَتَّةَ ولَمْ يُصَنِّفُوا لَها كُتُبًا وأبْوابًا وفُصُولًا. ولَمْ يَبْحَثُوا عَنْ دَقائِقِها، ولا شَكَّ أنَّ البَحْثَ عَنْها أهَمُّ والمُبالَغَةَ في الكَشْفِ عَنْ حَقائِقِها أوْلى؛ لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ إنَّما تُرادُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ أعْمالِ القُلُوبِ والآياتُ الكَثِيرَةُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ناطِقَةٌ بِذَلِكَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ مُتَناوِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ قالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] فَذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَها قَوْلَهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلْكَ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَها سائِرَ أقْسامِ التَّكالِيفِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ في هَذِهِ الصِّفَةِ التّاسِعَةِ ؟