Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِحِينَ طُلّابُ العِلْمِ يَنْتَقِلُونَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في طَلَبِ العِلْمِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: كانَتِ السِّياحَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا ساحَ أرْبَعِينَ سَنَةً رَأى ما كانَ يَرى السّائِحُونَ قَبْلَهُ. فَساحَ ولَدُ بَغِيٍّ مِنهم أرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقالَ: يا رَبِّ ما ذَنْبِي بِأنْ أساءَتْ أُمِّي ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ أراهُ اللَّهُ ما أرى السّائِحِينَ، وأقُولُ لِلسِّياحَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَكْمِيلِ النَّفْسِ لِأنَّهُ يَلْقاهُ أنْواعٌ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَيْها، وقَدْ يَنْقَطِعُ زادُهُ، فَيَحْتاجُ إلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وقَدْ يَلْقى أفاضِلَ مُخْتَلِفِينَ، فَيَسْتَفِيدُ مِن كُلِّ أحَدٍ فائِدَةً مَخْصُوصَةً، وقَدْ يَلْقى الأكابِرَ مِنَ النّاسِ، فَيَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ في مُقابَلَتِهِمْ، وقَدْ يَصِلُ إلى المُراداتِ الكَثِيرَةِ فَيَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ يُشاهِدُ اخْتِلافَ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا بِسَبَبِ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ طَرَفٍ مِنَ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِهِمْ فَتَقْوى مَعْرِفَتُهُ، وبِالجُمْلَةِ فالسِّياحَةُ لَها آثارٌ قَوِيَّةٌ في الدِّينِ.