Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ:(الحامِدُونَ) وهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحَقٍّ شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ دِينًا ودُنْيا ويَجْعَلُونَ إظْهارَ ذَلِكَ عادَةً لَهم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ والتَّهْلِيلَ والتَّحْمِيدَ صِفَةُ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ خَلْقِ الدُّنْيا، وهُمُ المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم قالُوا قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهو صِفَةُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بَعْدَ خَرابِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ بِأنَّهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى، وهُوَ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ:(والحامِدُونَ) .
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ:(السّائِحُونَ) وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ هُمُ الصّائِمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِنَ السِّياحَةِ، فَهو الصِّيامُ. وقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«سِياحَةُ أُمَّتِي الصِّيامُ» “ وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ هَذا صَوْمُ الفَرْضِ. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ، وفي المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ حَسُنَ تَفْسِيرُ السّائِحِ بِالصّائِمِ، وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ، لِأنَّ الَّذِي يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ، كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا.