Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ الأنْفُسَ والأمْوالَ إلَيْهِمْ، فَوَجَبَ أنَّ كَوْنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ مُضافَةً إلَيْهِمْ يُوجِبُ أمْرَيْنِ مُغايِرَيْنِ لَهم، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الجَوْهَرِ الأصْلِيِّ الباقِي، وهَذا البَدَنُ يَجْرِي مَجْرى الآلَةِ والأدَواتِ والمُرَكَّبِ، وكَذَلِكَ المالُ خُلِقَ وسِيلَةً إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذا المُرَكَّبِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ اشْتَرى مِنَ الإنْسانِ هَذا المُرَكَّبَ وهَذا المالَ بِالجَنَّةِ، وهو التَّحْقِيقُ. لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِمَصالِحِ عالَمِ الجِسْمِ المُتَغَيِّرِ المُتَبَدِّلِ، وهو البَدَنُ والمالُ، امْتَنَعَ وُصُولُهُ إلى السَّعاداتِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ، فَإذا انْقَطَعَ التِفاتُهُ إلَيْها وبَلَغَ ذَلِكَ الِانْقِطاعُ إلى أنْ عَرَّضَ البَدَنَ لِلْقَتْلِ، والمالَ لِلْإنْفاقِ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، فَقَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ رَجَّحَ الهُدى عَلى الهَوى، والمَوْلى عَلى الدُّنْيا، والآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَعِنْدَ هَذا يَكُونُ مِنَ السُّعَداءِ الأبْرارِ والأفاضِلِ الأخْيارِ، فالبائِعُ هو جَوْهَرُ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ والمُشْتَرِي هو اللَّهُ، وأحَدُ العِوَضَيْنِ الجَسَدُ البالِي والمالُ الفانِي، والعِوَضُ الثّانِي الجَنَّةُ الباقِيَةُ والسَّعاداتُ الدّائِمَةُ، فالرِّبْحُ حاصِلٌ والهَمُّ والغَمُّ زائِلٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ .
صفحة ١٥٩