Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:105-106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ. وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الغَيْبُ ما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، والشَّهادَةُ الأعْمالُ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى جَوارِحِهِمْ، وأقُولُ أيْضًا مَذْهَبُ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ، وعِنْدَهم أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعَلَمِ بِالمَعْلُولِ. فَوَجَبَ كَوْنُ العِلْمِ بِالغَيْبِ سابِقًا عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما جاءَ هَذا الكَلامُ في القُرْآنِ كانَ الغَيْبُ مُقَدَّمًا عَلى الشَّهادَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ مُغايِرٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وإنْ حَمَلْنا تِلْكَ الرُّؤْيَةَ عَلى العِلْمِ أوْ عَلى إيصالِ الثَّوابِ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ مَعْناهُ: بِإظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والإعْزازِ في الدُّنْيا، أوْ بِإظْهارِ أضْدادِها. وقَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مَعْناهُ: ما يَظْهَرُ في القِيامَةِ مِن حالِ الثَّوابِ والعِقابِ.