Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:105-106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَفْعُولِ الواحِدِ مَعْناها الإبْصارُ. فَكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعْناها الإبْصارُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَدّى هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إلى عَمَلِهِمْ والعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلى أعْمالِ القُلُوبِ، كالإراداتِ والكَراهاتِ والأنْظارِ. وإلى أعْمالِ الجَوارِحِ، كالحَرَكاتِ والسَّكَناتِ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِلْكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها مَرْئِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ كانَ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْحَرَكاتِ والسَّكَناتِ والِاجْتِماعاتِ والاِفْتِراقاتِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، فَيَلْزَمُكَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِأعْمالِ القُلُوبِ، فَأجابَ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ وهم إنَّما يَرَوْنَ أفْعالَ الجَوارِحِ، فَلَمّا تَقَيَّدَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ في حَقِّ المَعْطُوفِ وجَبَ تَقْيِيدُها بِهَذا القَيْدِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ العَطْفَ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ التَّشْرِيكِ. فَأمّا التَّسْوِيَةُ في كُلِّ الأُمُورِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَدُخُولُ التَّخْصِيصِ في المَعْطُوفِ، لا يُوجِبُ دُخُولَ التَّخْصِيصَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ فَيُقالُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ في الحالِ. والمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أمْرٌ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ؛ لِأنَّ السِّينَ تَخْتَصُّ بِالِاسْتِقْبالِ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: فَسَيُوصِلُ لَكم جَزاءَ أعْمالِكم. ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، بِأنَّ إيصالَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ عَلى إيصالِ الجَزاءِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.