Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:104
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما تَمَدَّحَ بِهِ؛ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يُفِيدُ المَدْحَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ:(عَنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ:
صفحة ١٤٨
﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: مِن عِبادِهِ يُقالُ: أخَذْتُ هَذا مِنكَ وأخَذْتُ هَذا عَنْكَ.
والثّانِي: قالَ القاضِي: لَعَلَّ(عَنْ) أبْلَغُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ القَبُولِ مَعَ تَسْهِيلِ سَبِيلِهِ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي قُبِلَتْ، وأقُولُ: إنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ لَفْظَةِ(عَنْ) عَلى هَذا المَعْنى، والَّذِي أقُولُهُ إنَّ كَلِمَةَ (عَنْ) وكَلِمَةَ (مِن) مُتَقارِبَتانِ، إلّا أنَّ كَلِمَةَ (عَنْ) تُفِيدُ البُعْدَ، فَإذا قِيلَ: جَلَسَ فُلانٌ عَنْ يَمِينِ الأمِيرِ، أفادَ أنَّهُ جَلَسَ في ذَلِكَ الجانِبِ لَكِنْ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ البُعْدِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ يُفِيدُ أنَّ التّائِبَ يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ صارَ مُبْعَدًا عَنْ قَبُولِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، ويَحْصُلُ لَهُ انْكِسارُ العَبْدِ الَّذِي طَرَدَهُ مَوْلاهُ، وبَعَّدَهُ عَنْ حَضْرَةِ نَفْسِهِ، فَلَفْظَةُ(عَنْ) كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذا المَعْنى لِلتّائِبِ.
* * *