Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:104
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا يُوجِبُ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلَيْهِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَزْدادَ حالُهُ بِطاعَةِ المُطِيعِينَ وأنْ يَنْتَقِصَ حالُهُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ، ويَمْتَنِعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لَهُ شَهْوَةٌ إلى الطّاعَةِ، ونَفْرَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ حَتّى يُقالَ: إنَّ نَفْرَتَهُ وغَضَبَهُ يَحْمِلُهُ عَلى الِانْتِقامِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المَعْصِيَةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، هو أنَّ كُلَّ ما دَعا القَلْبُ إلى عالَمِ الآخِرَةِ ومَنازِلِ السُّعَداءِ، ونَهاهُ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالجُسْمانِيّاتِ الباطِلَةِ، فَهو العِبادَةُ والعَمَلُ الحَقُّ والطَّرِيقُ الصّالِحُ، وكُلُّ ما كانَ بِالضِّدِّ مِنهُ فَهو المَعْصِيَةُ والعَمَلُ الباطِلُ، فالمُذْنِبُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، والمُطِيعُ لا يَنْفَعُ إلّا نَفْسَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) فَإنْ كانَ الإلَهُ رَحِيمًا حَكِيمًا كَرِيمًا ولَمْ يَكُنْ غَضَبُهُ عَلى المُذْنِبِ لِأجْلِ أنَّهُ تَضَرَّرَ بِمَعْصِيَتِهِ، فَإذا انْتَقَلَ العَبْدُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ كانَ كَرَمُهُ كالمُوجِبِ عَلَيْهِ قَبُولَ تَوْبَتِهِ. فَثَبَتَ أنَّ الإلَهِيَّةَ لَمّا كانَتْ عِبارَةً عَنْ الِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ، وكانَ الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ لِغَيْرِهِ، كانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَ الغَيْرِ كالمُمْتَنِعِ إلّا لِسَبَبٍ آخَرَ مُنْفَصِلٍ، أوْ لِمُعارِضٍ أوْ لِمُبايِنٍ.