cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:102-103

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الشَّرِّ فَقَدْ حَصَلَ الشَّرُّ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الألَمِ والحُزْنِ، وهو في غايَةِ المَشَقَّةِ، وأمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ أيْضًا إيصالُ الخَيْرِ بَقِيَ الإنْسانُ لا في الخَيْرِ ولا في الشَّرِّ، بَلْ عَلى السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ، وتَحَمُّلُ هَذِهِ الحالَةِ سَهْلٌ. فَثَبَتَ أنَّ دَفْعَ الشَّرِّ أهَمُّ مِن إيصالِ الخَيْرِ، وثَبَتَ أنَّ الدُّنْيا دارُ الشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والبَلِيّاتِ، وثَبَتَ أنَّ الحَيَوانَ في أصْلِ الخِلْقَةِ ومُوجَبِ الفِطْرَةِ مَنشَأٌ لِلشُّرُورِ، وإذا وصَلَ إنْسانٌ إلى إنْسانٍ كانَ أهَمُّ المُهِمّاتِ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّهُ مِنهُ في السَّلامَةِ والأمْنِ والأمانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِاصْطِلاحُ عَلى أنْ يَقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِذِكْرِ السَّلامِ، وهو أنْ يَقُولَ (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ومِن لَطائِفِ قَوْلِنا (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي إيقاعَ السَّلامِ عَلى جَماعَةٍ، والأمْرُ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، وبِحَسَبِ الشَّرْعِ. أمّا بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَلِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو عَنْ جَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ ويُراقِبُونَ أمْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١١) والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها أرْواحٌ خَيِّرَةٌ عاقِلَةٌ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ خَبِيثَةٌ، وبَعْضُها شَهْوانِيَّةٌ، وبَعْضُها غَضَبِيَّةٌ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ عُلْوِيٌّ قَوِيٌّ يَكُونُ كالأبِ لِتِلْكَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الأرْواحُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الرُّوحِ العُلْوِيِّ كالأبْناءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأبِ، وذَلِكَ الرُّوحُ العُلْوِيُّ هو الَّذِي يَخُصُّها بِالإلْهاماتِ، تارَةً في اليَقَظَةِ، وتارَةً في النَّوْمِ. وأيْضًا الأرْواحُ المُفارِقَةُ عَنْ أبْدانِها المُشاكِلَةُ لِهَذِهِ الأرْواحِ في الصِّفاتِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ. يَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِهَذا البَدَنِ بِسَبَبِ المُشاكَلَةِ والمُجانَسَةِ، وتَصِيرُ كالمُعاوِنَةِ لِهَذِهِ الرُّوحِ عَلى أعْمالِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وإذا عَرَفْتَ هَذا السِّرَّ فالإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَصْحُوبًا بِتِلْكَ الأرْواحِ المُجانِسَةِ لَهُ، فَقَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إشارَةٌ إلى تَسْلِيمِ هَذا الشَّخْصِ المَخْصُوصِ عَلى جَمِيعِ الأرْواحِ المُلازِمَةِ المُصاحِبَةِ إيّاهُ بِسَبَبِ المُصاحَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ. ومِن لَطائِفِ هَذا البابِ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.