Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:102-103
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ عِنْدَ الجَوابِ يُقْلَبُ هَذا التَّرْتِيبُ فَيُقالُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، والسَّبَبُ فِيهِ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ: أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، فَلَمّا قالَ وعَلَيْكُمُ السَّلامُ دَلَّ عَلى أنَّ اهْتِمامَ هَذا المُجِيبِ بِشَأْنِ ذَلِكَ القائِلِ شَدِيدٌ كامِلٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (وعَلَيْكُمُ السَّلامُ) يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ إنْ كُنْتَ قَدْ أوْصَلْتَ السَّلامَ إلَيَّ فَأنا أزِيدُ عَلَيْهِ وأجْعَلُ السَّلامَ مُخْتَصًّا بِكَ ومَحْصُورًا فِيكَ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ (النِّساءِ: ٨٦) ومِن لَطائِفِ قَوْلِهِ: (سَلامٌ عَلَيْكم) أنَّها أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ”وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ:“سَلامٌ عَلَيْكَ) مَعْناهُ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عَلَيْكَ. وأمّا قَوْلُهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فالسَّلامُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ، وأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ الماهِيَّةِ، واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى أصْلِ الماهِيَّةِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالأحْوالِ العارِضَةِ لِلْماهِيَّةِ وبِكِمالاتِ الماهِيَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلَ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ) ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى أنَّهُ أيْنَما جاءَ لَفْظُ (السَّلامِ) مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٤) وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ (النَّمْلِ: ٥٩) وفي القُرْآنِ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرٌ. أمّا لَفْظُ (السَّلامِ) بِالألِفِ واللّامِ، فَإنَّما جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، كَقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ (طه: ٤٧) وأمّا في سُورَةِ مَرْيَمَ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ١٥) وهَذا السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٣) وهَذا كَلامُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ