cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:102-103

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والمَقْصُودُ مِنها إيجابُ أخْذِ الزَّكاةِ مِنَ الأغْنِياءِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إذِ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ الزَّكَواتِ. وقالُوا في الزَّكاةِ إنَّها طُهْرَةٌ، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ الآياتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُنْتَظِمَةً مُتَناسِقَةً، أمّا لَوْ حَمَلْناها عَلى الزَّكَواتِ الواجِبَةِ ابْتِداءً، لَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها، ولا بِما بَعْدَها، وصارَتْ كَلِمَةً أجْنَبِيَّةً، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ أخْذُ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ، قالُوا: المُناسَبَةُ حاصِلَةٌ أيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ والنَّدامَةَ، عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهم أقَرُّوا بِأنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لِذَلِكَ التَّخَلُّفِ حُبُّهم لِلْأمْوالِ وشِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى صَوْنِها عَنِ الإنْفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّما يَظْهَرُ صِحَّةُ قَوْلِكم في ادِّعاءِ هَذِهِ التَّوْبَةِ والنَّدامَةِ لَوْ أخْرَجْتُمُ الزَّكاةَ الواجِبَةَ، ولَمْ تُضايِقُوا فِيها؛ لِأنَّ الدَّعْوى لا تَتَقَرَّرُ إلّا بِالمَعْنى، وعِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، فَإنْ أدَّوْا تِلْكَ الزَّكَواتِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ ظَهَرَ كَوْنُهم صادِقِينَ في تِلْكَ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وإلّا فَهم كاذِبُونَ مُزَوِّرُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ. لَكِنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْلِيفِ بِإخْراجِ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ مَعَ أنَّهُ يَبْقى نَظْمُ هَذِهِ الآياتِ سَلِيمًا أوْلى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ والمَعْنى تُطَهِّرُهم عَنِ الذَّنْبِ بِسَبَبِ أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقاتِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا إنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَحَصَلَ الذَّنْبُ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ حُصُولُهُ في الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا عَذَرَ أُولَئِكَ التّائِبِينَ وأطْلَقَهم، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي بِسَبَبِها تَخَلَّفْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ، وتَرَكَ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ خُذْ أمْوالَهم، وكَلِمَةُ(مِن) تُفِيدُ التَّبْعِيضَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَمْنَعُ القَوْلَ الَّذِي اخْتَرْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم لَمّا رَضِيتُمْ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ؛ فَلِأنْ تَصِيرُوا راضِينَ بِإخْراجِ الواجِباتِ أوْلى.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.