Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:101
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ: مَرُدَ يَمْرَدُ مَرَدًا فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ إذا عَتا، والمَرِيدُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وقَدْ تَمَرَّدَ عَلَيْنا أيْ عَتا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المُرادُ التَّطاوُلُ بِالكِبَرِ والمَعاصِي، ومِنهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ وأصْلُ المَرُودِ المَلاسَةُ، ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ، وغُلامٌ أمْرَدُ، والمَرْداءُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، كَأنَّ مَن لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ غَيْرِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، بَقِيَ كَما كانَ عَلى صِفَتِهِ الأصْلِيَّةِ مِن غَيْرِ حُدُوثِ تَغَيُّرٍ فِيهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ هو المَلاسَةُ.
صفحة ١٣٨
إذا عَرَفْتَ أصْلَ اللَّفْظِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ أيْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا فِيهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والمَعْنى أنَّهم تَمَرَّدُوا في حِرْفَةِ النِّفاقِ فَصارُوا فِيها أُسْتاذِينِ، وبَلَغُوا إلى حَيْثُ لا تَعْلَمُ أنْتَ نِفاقَهم مَعَ قُوَّةِ خاطِرِكَ وصَفاءِ حَدْسِكَ ونَفْسِكَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المَرَّتَيْنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ الأمْراضَ في الدُّنْيا، وعَذابَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يُفِيدُهُ تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ، ومَرَضُ الكافِرِ يُفِيدُهُ زِيادَةُ الكُفْرِ وكُفْرانُ النِّعَمِ.