Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:100
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأحْوالِ والأوْقاتِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا وقْتَ ولا حالَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ. فَيُقالُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إلّا في وقْتِ طَلَبِ الإمامَةِ، ومُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ. أوْ نَقُولُ: إنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ مُهاجِرِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ كَوْنُهم سابِقِينَ في الهِجْرَةِ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم بِهَذا الوَصْفِ أثْبَتَ لَهم ما يُوجِبُ التَّعْظِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ والسَّبْقُ في الهِجْرَةِ وصْفٌ مُناسِبٌ لِلتَّعْظِيمِ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ، يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ الحاصِلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الهِجْرَةِ، والعِلَّةُ ما دامَتْ مَوْجُودَةً فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّضْوانُ حاصِلًا في جَمِيعِ مُدَّةِ وُجُودِهِمْ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ أعَدَّ تِلْكَ الجَنّاتِ وعَيَّنَها لَهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي بَقاءَهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ
صفحة ١٣٦