Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:91-92
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ هو أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الوُجُوهِ ؟ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ اللَّفْظَ مَقْصُورٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإحْسانِ، ورَأْسُ أبْوابِ الإحْسانِ ورَئِيسُها، هو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ مَن قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ واعْتَقَدَها، كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ في حالِ كُلِّ مُسْلِمٍ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ تَوَجُّهِ مُطالَبَةِ الغَيْرِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في نَفْسِهِ حُرْمَةُ القَتْلِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والأصْلُ في مالِهِ حُرْمَةُ الأخْذِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وأنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّكالِيفِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَتَصِيرَ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الطَّرِيقِ أصْلًا مُعْتَبَرًا في الشَّرِيعَةِ، في تَقْرِيرِ أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ خاصٌّ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُكْمٍ خاصٍّ، في واقِعَةٍ خاصَّةٍ، قَضَيْنا بِذَلِكَ النَّصِّ الخاصِّ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهَذا النَّصُّ كافٍ في تَقْرِيرِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذا عَلى نَفْيِ القِياسِ. قالَ: لِأنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ الإلْزامِ والتَّكْلِيفِ، فالقِياسُ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى بَراءَةِ الذِّمَّةِ أوْ عَلى شَغْلِ الذِّمَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ بَراءَةَ الذِّمَّةِ لَمّا ثَبَتَتْ بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ، كانَ إثْباتُها بِالقِياسِ عَبَثًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لِما ثَبَتَ أنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً، مَعْلُومَةً، مُلَخَّصَةً، بَعِيدَةً عَنِ الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ لِأنَّ السُّلْطانَ إذا بَعَثَ واحِدًا مِن عُمّالِهِ إلى سِياسَةِ بَلْدَةٍ، فَقالَ لَهُ: أيُّها الرَّجُلُ تَكْلِيفِي عَلَيْكَ، وعَلى أهْلِ تِلْكَ المَمْلَكَةِ، كَذا وكَذا، وعَدَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ نَوْعٍ مِنَ التَّكالِيفِ مَثَلًا، ثُمَّ قالَ: وبَعْدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، كانَ هَذا تَنْصِيصًا مِنهُ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيما وراءَ تِلْكَ الأقْسامِ المِائَةِ المَذْكُورَةِ، ولَوْ أنَّهُ كَلَّفَ ذَلِكَ السُّلْطانُ بِأنْ يَنُصَّ عَلى ما سِوى تِلْكَ المِائَةِ بِالنَّفْيِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كانَ ذَلِكَ مُحالًا؛ لِأنَّ بابَ النَّفْيِ لا نِهايَةَ لَهُ، بَلْ كَفاهُ في