Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:75-78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ والسِّرُّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، والنَّجْوى ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مَنَعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] .
إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ بَيْنَ السِّرِّ والنَّجْوى، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم فَكَيْفَ يَتَجَرَّءُونَ عَلى النِّفاقِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الِاسْتِسْرارُ والتَّناجِي فِيما بَيْنَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وأنَّهُ يُعاقِبُ عَلَيْهِ كَما يُعاقِبُ عَلى الظّاهِرِ ؟