Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:75-78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ فِعْلٌ ولا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، والمُعاهَدَةُ والتَّصَدُّقُ والصَّلاحُ والبُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ إعْقابِ النِّفاقِ إلى المُعاهَدَةِ أوِ التَّصَدُّقِ أوِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أعْمالُ الخَيْرِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُها مُؤَثِّرَةً في حُصُولِ النِّفاقِ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ حاصِلَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَوْنُهُ تارِكًا لِأداءِ الواجِبِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النِّفاقَ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ، وهو جَهْلٌ وتَرْكُ بَعْضِ الواجِبِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ الجَهْلِ في القَلْبِ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَدَمٌ، والجَهْلُ وُجُودٌ، والعَدَمُ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الوُجُودِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ هَذا البُخْلَ والتَّوَلِّيَ والإعْراضَ قَدْ يُوجَدُ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ النِّفاقُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ هَذا التَّرْكَ لَوْ أوْجَبَ حُصُولَ الكُفْرِ في القَلْبِ لَأوْجَبَهُ سَواءٌ كانَ هَذا التَّرْكُ جائِزًا شَرْعًا أوْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا؛ لِأنَّ سَبَبَ اخْتِلافِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا يُخْرِجُ المُؤَثِّرَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . فَلَوْ كانَ فِعْلُ الإعْقابِ مُسْنَدًا إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ فَأعْقَبَهم بِخُلْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَلِّي وحُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ بِسَبَبِ التَّوَلِّي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَلامٌ باطِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ إسْنادُهُ إلَيْهِ، فَصارَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْقِبُ النِّفاقَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ الكُفْرِ في القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الَّذِي قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا ضَلُّوا في الماضِي، فَهو تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى.