Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: هَذا أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى مَن سَمِعَهُ ورَضِيَ بِهِ خِلافُ الأصْلِ. ثُمَّ قالَ: بَلى الأوْلى أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ: «أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ وهم خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعاهَدُوا أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، وكانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ آخِذًا بِالخِطامِ عَلى راحِلَتِهِ وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ، فالتَفَتَ، فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَهَرَبُوا» . والظّاهِرُ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ الغَرَضِ، فَقَدْ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ ونَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ والتَّصَنُّعِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ هو قَوْلُ كَلِمَةِ الكُفْرِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أسْلَمُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الكَلامُ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الإسْلامِ السِّلْمُ الَّذِي هو نَقِيضُ الحَرْبِ؛ لِأنَّهم لَمّا نافَقُوا فَقَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وجَنَحُوا إلَيْهِ، فَإذا جاهَرُوا بِالحَرْبِ، وجَبَ حَرْبُهم.
والثّانِي: أنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ أنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ.