Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:73
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَحْكُمَ بِالظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ»، والقَوْمُ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ مَعَهم غَيْرَ جائِزَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ بَذْلِ الجُهْدِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ بِالسَّيْفِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ مَعَ الفَرِيقَيْنِ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ
صفحة ١٠٨
تِلْكَ المُجاهَدَةِ فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْها، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ المُنْفَصِلَةُ عَلى أنَّ المُجاهَدَةَ مَعَ الكُفّارِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ، ومَعَ المُنافِقِينَ بِإظْهارِ الحُجَّةِ تارَةً، وبِتَرْكِ الرِّفْقِ ثانِيًا، وبِالِانْتِهارِ ثالِثًا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: تارَةً بِاليَدِ، وتارَةً بِاللِّسانِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُكَشِّرْ في وجْهِهِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ. وحَمَلَ الحَسَنُ جِهادَ المُنافِقِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. قالَ القاضِي: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ واجِبَةٌ عَلى مَن لَيْسَ بِمُنافِقٍ، فَلا يَكُونُ لِهَذا تَعَلُّقٌ بِالنِّفاقِ.