Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟
قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ العاجِلَةِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الذَّمَّ عادَ فَشَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ
صفحة ١٠٣
بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ، ومِثالُهُ: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى قُبْحِ ظُلْمِهِ يَقُولُ لَهُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَهُ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ هَهُنا لِلتَّأْكِيدِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى مُشابَهَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وفي الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ حُصُولَ المُشابَهَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وفي المَكْرِ والخَدِيعَةِ والغَدْرِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ كَخَوْضِهِمُ الَّذِي خاضُوا، فَـ ”الَّذِي“ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ.