Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يُؤْذِي النَّبِيَّ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِأنَّهم يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ: إنَّهُ أُذُنٌ، وغَرَضُهم مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَكاءٌ ولا بُعْدُ غَوْرٍ، بَلْ هو سَلِيمُ القَلْبِ سَرِيعُ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّوْهُ بِأنَّهُ أُذُنٌ، كَما أنَّ الجاسُوسَ يُسَمّى بِالعَيْنِ، يُقالُ: جَعَلَ فُلانٌ عَلَيْنا عَيْنًا، أيْ: جاسُوسًا مُتَفَحِّصًا عَنِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: هَبْ أنَّهُ أُذُنٌ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ لَكم، وقَوْلُهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مِثْلَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلُ صِدْقٍ وشاهِدُ عَدْلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ جَعَلَ تَعالى هَذِهِ الثَّلاثَةَ كالمُوجِبَةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ فَلْنُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ اقْتِضاءِ هَذِهِ المَعانِي لِتِلْكَ الخَيْرِيَّةِ:
أمّا الأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ فَلِأنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنَ اللَّهِ، والخائِفُ مِنَ اللَّهِ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ.