Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الفَقْرَ والغِنى ضِدّانِ، كَما أنَّ السَّوادَ والبَياضَ ضِدّانِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ الغِنى والمَسْكَنَةَ ضِدّانِ، بَلْ قالُوا: التَّرَفُّعُ والتَّمَسُكُنَ ضِدّانِ؛ فَمَن كانَ مُنْقادًا لِكُلِّ أحَدٍ، خائِفًا مِنهم، مُتَحَمِّلًا لِشَرِّهِمْ، ساكِتًا عَنْ جَوابِهِمْ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِمْ، قالُوا: إنَّ فُلانًا يُظْهِرُ الذُّلَّ والمَسْكَنَةَ، وقالُوا: إنَّهُ مِسْكِينٌ عاجِزٌ، وأمّا الفَقِيرُ فَجَعَلُوهُ عِبارَةً عَنْ ضِدِّ الغَنِيِّ، وعَلى هَذا فَقَدَ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الغَنِيَّ بِكَوْنِهِ مِسْكِينًا، إذا كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الخُضُوعَ والطّاعَةَ وتَرْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الفَقِيرَ بِكَوْنِهِ مُتَرَفِّعًا عَنِ التَّواضُعِ والمَسْكَنَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المالِ، والمَسْكَنَةَ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ التَّواضُعِ، والأوَّلُ يُنافِي حُصُولَ المالِ، والثّانِي لا يُنافِي حُصُولَهُ.
صفحة ٨٨
الوَجْهُ العاشِرُ: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُعاذٍ في الزَّكاةِ: ”خُذْها مِن أغْنِيائِهِمْ، ورُدَّها عَلى فُقَرائِهِمْ“»، ولَوْ كانَتِ الحاجَةُ في المَساكِينِ أشَدَّ لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: ورُدَّها عَلى مَساكِينِهِمْ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأهَمِّ أوْلى، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ مِنَ المِسْكِينِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المِسْكِينَ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ بِوُجُوهٍ: