Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الفَقْرِ، وقالَ: «”كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا“»، ثُمَّ قالَ: «”اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ“»، فَلَوْ كانَ المِسْكِينُ أسْوَأ حالًا مِنَ الفَقِيرِ لَتَناقَضَ الحَدِيثانِ؛ لِأنَّهُ تَعَوَّذَ مِنَ الفَقْرِ، ثُمَّ سَألَ حالًا أسْوَأ مِنهُ، أمّا إذا قُلْنا: الفَقْرُ أشَدُّ مِنَ المَسْكَنَةِ فَلا تَناقُضَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا، لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِلْمالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] . فَوَصَفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُساوِي جُمْلَةً مِنَ الدَّنانِيرِ، ولَمْ نَجِدْ في كِتابِ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ سُمِّيَ فَقِيرًا مَعَ أنَّهُ يَمْلِكُ شَيْئًا.
فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] . فَوَصَفَ الكُلَّ بِالفَقْرِ مَعَ أنَّهم يَمْلِكُونَ أشْياءَ.
صفحة ٨٧
قُلْنا: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ أحَدًا سِوى اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ البَتَّةَ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.