Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ هَذا الِاخْتِلافِ لا تَظْهَرُ في تَفْرِقَةِ الصَّدَقاتِ، وإنَّما تَظْهَرُ في الوَصايا، وهو أنَّ رَجُلًا لَوْ قالَ: أوْصَيْتُ لِلْفُقَراءِ بِمِائَتَيْنِ، ولِلْمَساكِينِ بِخَمْسِينَ، وجَبَ دَفْعُ المِائَتَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أشَدَّ حاجَةً، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أقَلَّ حاجَةً، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أثْبَتَ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ؛ دَفْعًا لِحاجَتِهِمْ وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِهِ يَكُونُ أشَدَّ حاجَةً؛ لِأنَّ الظّاهِرَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ ومَن فَضَّلَ عُثْمانَ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في ذِكْرِهِما: عُثْمانُ وعَلِيٌّ، ومَن فَضَّلَ عَلِيًّا عَلى عُثْمانَ يَقُولُ: عَلِيٌّ وعُثْمانُ، وأنْشَدَ عُمَرُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
فَقالَ: هَلّا قَدَّمَ الإسْلامَ عَلى الشَّيْبِ ! فَلَمّا وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الفُقَراءِ وجَبَ أنْ تَكُونَ حاجَتُهم أشَدَّ مِن حاجَةِ المَساكِينِ.