Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:60
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الخَلْقَ إذا عَلِمُوا في الإنْسانِ كَوْنَهُ ساعِيًا في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِمْ، وفي دَفْعِ الآفاتِ عَنْهم أحَبُّوهُ بِالطَّبْعِ ومالَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ لا مَحالَةَ، عَلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَن أساءَ إلَيْها“» . فالفُقَراءُ إذا عَلِمُوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ يَصْرِفُ إلَيْهِمْ طائِفَةً مِن مالِهِ، وأنَّهُ كُلَّما كانَ مالُهُ أكْثَرَ كانَ الَّذِي يَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ المالِ أكْثَرَ، أمَدُّوهُ بِالدُّعاءِ والهِمَّةِ، ولِلْقُلُوبِ آثارٌ ولِلْأرْواحِ حَرارَةٌ، فَصارَتْ تِلْكَ الدَّعَواتُ سَبَبًا لِبَقاءِ ذَلِكَ الإنْسانِ في الخَيْرِ والخِصْبِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] . وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”حَصِّنُوا أمْوالَكم بِالزَّكاةِ“» .
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ أعْظَمُ مِنَ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ؛ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ غَيْرِهِ، فَأمّا الِاسْتِغْناءُ عَنِ الشَّيْءِ فَهو الغِنى التّامُّ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ الحَقِّ، والِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ صِفَةُ الخَلْقِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أعْطى بَعْضَ عَبِيدِهِ
صفحة ٨٢