Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: أنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، والحَواسُّ مائِلَةٌ إلَيْها، فَإذا كَثُرَتْ وتَوالَتِ اسْتَغْرَقْتَ فِيها وانْصَرَفَتِ النَّفْسُ بِكُلِّيَّتِها إلَيْها، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحِرْمانِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ نَوْعُ قَسْوَةٍ وقُوَّةٍ وقَهْرٍ، وكُلَّما كانَ المالُ والجاهُ أكْثَرَ، كانَتْ تِلْكَ القَسْوَةُ أقْوى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] . فَظَهَرَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ سَبَبٌ قَوِيٌّ في زَوالِ حُبِّ اللَّهِ وحُبِّ الآخِرَةِ عَنِ القَلْبِ، وفي حُصُولِ حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها في القَلْبِ، فَعِنْدَ المَوْتِ كَأنَّ الإنْسانَ يَنْتَقِلُ مِنَ البُسْتانِ إلى السِّجْنِ، ومِنَ مُجالَسَةِ الأقْرِباءِ والأحِبّاءِ إلى مَوْضِعِ الكُرْبَةِ والغُرْبَةِ، فَيَعْظُمُ تَألُّمُهُ وتَقْوى حَسْرَتُهُ، ثُمَّ عِنْدَ الحَشْرِ حَلالُها حِسابٌ، وحَرامُها عِقابٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ سَبَبٌ لِحُصُولِ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِلْكُلِّ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِهَذا العَذابِ ؟
قُلْنا: المُنافِقُونَ مَخْصُوصُونَ بِزِياداتٍ في هَذا البابِ: