Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:44-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والإثْباتِ، غَيْرَ حاكِمٍ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ ولا جازِمٍ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الِاعْتِقادَ إمّا أنْ يَكُونَ جازِمًا أوْ لا يَكُونَ، فالجازِمُ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ فَهو الجَهْلُ، وإنْ كانَ مُطابِقًا فَإنْ كانَ عَنْ يَقِينٍ فَهو العِلْمُ، وإلّا فَهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ. وإنْ كانَ غَيْرَ جازِمٍ فَإنْ كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ راجِحًا فالرّاجِحُ هو الظَّنُّ، والمَرْجُوحُ هو الوَهْمُ، وإنِ اعْتَدَلَ الطَّرَفانِ فَهو الرَّيْبُ والشَّكُّ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الإنْسانُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ قُرِئَ: ”عُدَّتَهُ“، وقُرِئَ أيْضًا: ”عِدَّةً“ بِكَسْرِ العَيْنِ بِغَيْرِ إضافَةٍ وبِإضافَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ وفي زَمانٍ شَدِيدٍ، وتَرْكَهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مَياسِيرَ قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ والعُدَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ في الأمْرِ، يُقالُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ فانْبَعَثَ، وبَعَثْتُهُ لِأمْرِ كَذا فانْبَعَثَ، وبَعَثَهُ لِأمْرِ كَذا أيْ: نَفَّذَهُ فِيهِ. والتَّثْبِيطُ: رَدُّ الإنْسانِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هَمَّ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَرِهَ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَصَرَفَهم عَنْهُ.