Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ في بَعْضِ الوَقائِعِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] أمْرٌ لِأُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ والِاجْتِهادِ، والرَّسُولُ كانَ سَيِّدًا لَهم، فَكانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الأمْرِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الإذْنِ أوْ مَنَعَهُ عَنْهُ، أوْ ما أذِنَ لَهُ فِيهِ، وما مَنَعَهُ عَنْهُ والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا امْتَنَعَ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَيَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٤] و﴿أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥]﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٧] وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ القَوْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى الِاجْتِهادِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ، بِناءً عَلى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ.