Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:41
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجِهادَ يَجِبُ بِالنَّفْسِ إذا انْفَرَدَ وقَوِيَ عَلَيْهِ، وبِالمالِ إذا ضَعُفَ عَنِ الجِهادِ بِنَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ مَن عَجَزَ أنْ يُنِيبَ عَنْهُ نَفَرًا بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِهِ، فَيَكُونُ مُجاهِدًا بِمالِهِ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الجِهادُ خَيْرٌ مِنَ القُعُودِ عَنْهُ، ولا خَيْرَ في القُعُودِ عَنْهُ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ﴿خَيْرٍ﴾ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: بِمَعْنى هَذا خَيْرٌ مِن ذاكَ.
والثّانِي: بِمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] ويُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المُرادُ هَذا الثّانِي، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.
الوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ كَوْنُهُ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، إلّا أنَّ التَّقْدِيرَ: أنَّ ما يُسْتَفادُ بِالجِهادِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا يَسْتَفِيدُهُ القاعِدُ عَنْهُ مِنَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والتَّنَعُّمِ بِهِما، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ٥٨