Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ إنْزالَ السَّكِينَةِ عَلى الرَّسُولِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّسُولَ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خائِفًا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ فَمَن كانَ خائِفًا كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُزِيلَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِ غَيْرِهِ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، ثُمَّ ذَكَرَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ نُزُولَ السَّكِينَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السَّكِينَةِ مَسْبُوقٌ بِحُصُولِ السَّكِينَةِ في قَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّكِينَةُ نازِلَةً
صفحة ٥٤
عَلى قَلْبِ أبِي بَكْرٍ.
فَإنْ قِيلَ: وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلى قَلْبِ الرَّسُولِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالرَّسُولِ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشارِكًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ هَذا المَعْطُوفُ عائِدًا إلى الرَّسُولِ وجَبَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرَّسُولِ.