Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فَجَعَلَهُ ثانِيَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِما في الغارِ، والعُلَماءُ أثْبَتُوا أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ ثانِيَ مُحَمَّدٍ في أكْثَرِ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمّا أُرْسِلَ إلى الخَلْقِ، وعَرَضَ الإسْلامَ عَلى أبِي بَكْرٍ آمَنَ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وعَرَضَ الإسْلامَ عَلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وجَماعَةٍ آخَرِينَ مِن أجِلَّةِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والكُلُّ آمَنُوا عَلى يَدَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ جاءَ بِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ، فَكانَ هو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وأيْضًا كُلَّما وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ، كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقِفُ في خِدْمَتِهِ، ولا يُفارِقُهُ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ في مَجْلِسِهِ، ولَمّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قامَ مَقامَهُ في إمامَةِ النّاسِ في الصَّلاةِ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ، ولَمّا تُوُفِّيَ دُفِنَ بِجَنْبِهِ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ هُناكَ أيْضًا، وطَعَنَ بَعْضُ الحَمْقى مِنَ الرَّوافِضِ في هَذا الوَجْهِ، وقالَ: كَوْنُهُ ثانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ لا يَكُونُ أعْظَمَ مِن كَوْنِ اللَّهِ تَعالى رابِعًا لِكُلِّ ثَلاثٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في حَقِّ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى دالًّا عَلى فَضِيلَةِ الإنْسانِ، فَلِأنْ لا يَدُلَّ مِنَ النَّبِيِّ عَلى فَضِيلَةِ الإنْسانِ كانَ أوْلى.