Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:39
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ والكِنايَةُ في قَوْلِ الحَسَنِ: راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا تَضُرُّوا اللَّهَ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وفي قَوْلِ الباقِينَ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ، أيْ: لا تَضُرُّوا الرَّسُولَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يَخْذُلُهُ إنْ تَثاقَلْتُمْ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ الزَّجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى قادِرٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ العَجْزُ، فَإذا تَوَعَّدَ بِالعِقابِ فَعَلَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ لِمَنِ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفِرُوا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وعِيدِ أهْلِ الصَّلاةِ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لَمْ يَنْفِرُوا يُعَذِّبْهم عَذابًا ألِيمًا وهو عَذابُ النّارِ، فَإنَّ تَرْكَ الجِهادِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَبَطَلَ بَذْلُ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: إنَّ أهَّلَ الصَّلاةِ لا وعِيدَ لَهم، وإذا ثَبَتَ الوَعِيدُ لَهم في تَرْكِ الجِهادِ فَكَذا في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، واعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الوَعِيدِ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *