Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:38
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفَضائِحَهم، عادَ إلى التَّرْغِيبِ في مُقاتَلَتِهِمْ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ أسْبابًا كَثِيرَةً مُوجِبَةً لِقِتالِهِمْ، وذَكَرَ مَنافِعَ كَثِيرَةً تَحْصُلُ مِن مُقاتَلَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤] وذَكَرَ أقْوالَهُمُ المُنْكَرَةَ، وأعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وعِنْدَ هَذا لا يَبْقى لِلْإنْسانِ مانِعٌ مِن قِتالِهِمْ إلّا مُجَرَّدُ أنْ يَخافَ القَتْلَ ويُحِبَّ الحَياةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا المانِعَ خَسِيسٌ؛ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ، لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ جَهْلٌ وسَفَهٌ.