Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:36
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ، وقَدْ ذَكَرْنا آياتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّنَةَ المُعْتَبَرَةَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ هي السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا الحُكْمُ مَكْتُوبًا في القُرْآنِ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما أوْجَبَهُ وحَكَمَ بِهِ، والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ هو الحُكْمُ والإيجابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦]﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨]﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] قالَ القاضِي: هَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكِتابَ في هَذِهِ الآيَةِ كالظَّرْفِ، وإذا حُمِلَ الكِتابُ عَلى الحِسابِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ إلّا عَلى طَرِيقِ المَجازِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ: بِأنَّهُ وإنْ كانَ مَجازًا، إلّا أنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، يُقالُ: إنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا في حِسابِ فُلانٍ وفي حُكْمِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ وُجُوهًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ، والأقْرَبُ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّالِثِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كَتَبَ هَذا الحُكْمَ، وحَكَمَ بِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ.
* * *