Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا أحَبَّ شَيْئًا فَكُلَّما كانَ وُصُولُهُ إلَيْهِ أكْثَرَ، والتِذاذُهُ بِوِجْدانِهِ أكْثَرَ، كانَ حُبُّهُ لَهُ أشَدَّ ومَيْلُهُ أقْوى، فالإنْسانُ إذا كانَ فَقِيرًا فَكَأنَّهُ لَمْ يَذُقْ لَذَّةَ الِانْتِفاعِ بِالمالِ، وكَأنَّهُ غافِلٌ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ، فَإذا مَلَكَ القَلِيلَ مِنَ المالِ وجَدَ بِقَدْرِهِ اللَّذَّةَ، فَصارَ مَيْلُهُ أشَدَّ، فَكُلَّما صارَتْ أمْوالُهُ أزْيَدَ، كانَ التِذاذُهُ بِهِ أكْثَرَ، وكانَ حِرْصُهُ في طَلَبِهِ ومَيْلُهُ إلى تَحْصِيلِهِ أشَدَّ، فَثَبَتَ أنَّ تَكْثِيرَ المالِ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ الحِرْصِ في الطَّلَبِ، فالحِرْصُ مُتْعِبٌ لِلرُّوحِ والنَّفْسِ والقَلْبِ وضَرَرُهُ شَدِيدٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الإضْرارِ بِالنَّفْسِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ كُلَّما كانَ المالُ أكْثَرَ كانَ الحِرْصُ أشَدَّ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ كانَ يَنْتَهِي طَلَبُ المالِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ الطَّلَبُ ويَزُولُ الحِرْصُ، لَقَدْ كانَ الإنْسانُ يَسْعى في الوُصُولِ إلى ذَلِكَ الحَدِّ، أمّا لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كُلَّما كانَ تَمَلُّكُ الأمْوالِ أكْثَرَ كانَ الضَّرَرُ النّاشِئُ مِنَ الحِرْصِ أكْبَرَ، وأنَّهُ لا نِهايَةَ لِهَذا الضَّرَرِ ولِهَذا الطَّلَبِ، فَوَجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَتْرُكَهُ في أوَّلِ الأمْرِ كَما قالَ:
رَأى الأمْرَ يُفْضِي إلى آخَرَ فَيُصَيَّرُ آخِرُهُ أوَّلا