Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأحْبارَ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانَ مِنَ النَّصارى بِحَسَبِ العُرْفِ، فاللَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كَثِيرٍ مِنهم أنَّهم لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ طَرِيقَةُ بَعْضِهِمْ لا طَرِيقَةُ الكُلِّ، فَإنَّ العالَمَ لا يَخْلُو عَنِ الحَقِّ، وإطْباقُ الكُلِّ عَلى الباطِلِ كالمُمْتَنِعِ هَذا يُوهِمُ أنَّهُ كَما أنَّ إجْماعَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الباطِلِ لا يَحْصُلُ، فَكَذَلِكَ سائِرُ الأُمَمِ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ أخْذِ الأمْوالِ بِالأكْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن جَمْعِ الأمْوالِ هو الأكْلُ، فَسُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمِ ما هو أعْظَمُ مَقاصِدِهِ، أوْ يُقالُ: مَن أكَلَ شَيْئًا فَقَدْ ضَمِنَهُ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، ومَن جَمَعَ المالَ فَقَدْ ضَمَّ تِلْكَ الأمْوالَ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَها مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، فَلَمّا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الأكْلِ وبَيْنَ الأخْذِ مِن هَذا الوَجْهِ، سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن أخَذَ أمْوالَ النّاسِ، فَإذا طُولِبَ بِرَدِّها، قالَ: أكَلْتُها وما بَقِيَتْ، فَلا أقْدِرُ عَلى رَدِّها، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ.