Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ أنَّ الجُهّالَ والحَشْوِيَّةَ إذا بالَغُوا في تَعْظِيمِ شَيْخِهِمْ وقُدْوَتِهِمْ، فَقَدْ يَمِيلُ طَبْعُهم إلى القَوْلِ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ، وذَلِكَ الشَّيْخُ إذا كانَ طالِبًا لِلدُّنْيا بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ يُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الأمْرَ كَما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ، وشاهَدْتُ بَعْضَ المُزَوِّرِينَ مِمَّنْ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ كانَ يَأْمُرُ أتْباعَهُ وأصْحابَهُ بِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ، وكانَ يَقُولُ لَهم: أنْتُمْ عَبِيدِي، فَكانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ مِن حَدِيثِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ أشْياءَ، ولَوْ خَلا بِبَعْضِ الحَمْقى مِن أتْباعِهِ، فَرُبَّما ادَّعى الإلَهِيَّةَ، فَإذا كانَ مُشاهَدًا في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم أطاعُوهم فِيما كانُوا مُخالِفِينَ فِيهِ لِحُكْمِ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم قَبِلُوا أنْواعَ الكُفْرِ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّهِمُ الحُلُولَ والِاتِّحادَ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ مُشاهَدٌ وواقِعٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والكُتُبَ الإلَهِيَّةَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ.