Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ﴿عَنْ يَدٍ﴾ مُؤاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ؛ لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ لَمْ يُعْطِ يَدَهُ بِخِلافِ المُطِيعِ المُنْقادِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: أعْطى يَدَهُ إذا انْقادَ وأطاعَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: نَزَعَ يَدَهُ عَنِ الطّاعَةِ، كَما يُقالُ: خَلَعَ رِبْقَةَ الطّاعَةِ مِن عُنُقِهِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَتّى يُعْطُوها عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ ولا مَبْعُوثًا عَلى يَدِ أحَدٍ، بَلْ عَلى يَدِ المُعْطِي إلى يَدِ الآخِذِ.
وأمّا إذا كانَ المُرادُ يَدَ الآخِذِ فَفِيهِ أيْضًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: اليَدُ في هَذا لِفُلانٍ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم وتَرْكَ أرْواحِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم عَلى الصَّغارِ والذُّلِّ والهَوانِ بِأنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ، ويُسَلِّمَها وهو قائِمٌ والمُتَسَلِّمُ جالِسٌ، ويُؤْخَذُ بِلِحْيَتِهِ، فَيُقالُ لَهُ: أدِّ الجِزْيَةَ وإنْ كانَ يُؤَدِّيها ويُزَجُّ في قَفاهُ، فَهَذا مَعْنى الصَّغارِ، وقِيلَ: مَعْنى الصَّغارِ هَهُنا هو نَفْسُ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، ولِلْفُقَهاءِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِن تَوابِعِ الذُّلِّ والصَّغارِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في شَيْءٍ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.