Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا كانَتِ المُخالَطَةُ مَعَ الكُفّارِ جائِزَةً فَحَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، وكانَتِ المُعاهَداتُ مَعَهم حاصِلَةً فَأزالَها اللَّهُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ كانَ جائِزًا فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ الأصْلَ حِلُّ الشُّرْبِ مِن أيِّ إناءٍ كانَ، فَلَوْ
صفحة ٢١
قُلْنا: إنَّهُ حُرِّمَ بِحُكْمِ الآيَةِ، ثُمَّ حَلَّ بِحُكْمِ الخَبَرِ فَقَدْ حَصَلَ نَسْخانِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ حِلًّا لا بِحُكْمِ الأصْلِ، والرَّسُولُ شَرِبَ مِن آنِيَتِهِمْ بِحُكْمِ الأصْلِ، ثُمَّ جاءَ التَّحْرِيمُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أوْلى، أمّا قَوْلُ القاضِي: لَوْ كانَ الكافِرُ نَجِسَ الجِسْمِ لَما تَبَدَّلَتِ النَّجاسَةُ بِالطَّهارَةِ بِسَبَبِ الإسْلامِ. فَجَوابُهُ أنَّهُ قِياسٌ في مُعارَضَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وأيْضًا أنَّ أصْحابَ هَذا المَذْهَبِ يَقُولُونَ إنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ إزالَةً لِلنَّجاسَةِ الحاصِلَةِ بِحُكْمِ الكُفْرِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وأمّا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم حَكَمُوا بِكَوْنِ الكافِرِ طاهِرًا في جِسْمِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ولا يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الحَدَثِ.