Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَثْرَةَ لا تَنْفَعُ، وأنَّ الَّذِي أوْجَبَ النَّصْرَ ما كانَ إلّا مِنَ اللَّهِ ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: إنْزالُ السَّكِينَةِ، والسَّكِينَةُ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ القَلْبُ والنَّفْسُ، ويُوجِبُ الأمَنَةَ والطُّمَأْنِينَةَ، وأظُنُّ وجْهَ الِاسْتِعارَةِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا خافَ فَرَّ وفُؤادُهُ مُتَحَرِّكٌ، وإذا أمِنَ سَكَنَ وثَبَتَ، فَلَمّا كانَ الأمْنُ مُوجِبًا لِلسُّكُونِ جَعَلَ لَفْظَ السَّكِينَةِ كِنايَةً عَنِ الأمْنِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١٩
أمّا بَيانُ الأوَّلِ: فَهو أنَّ حالَ انْهِزامِ القَوْمِ لَمْ تَحْصُلْ داعِيَةُ السُّكُونِ والثَّباتِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ السُّكُونُ والثَّباتُ، بَلْ فَرَّ القَوْمُ وانْهَزَمُوا، ولَمّا حَصَلَتِ السَّكِينَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ داعِيَةِ السُّكُونِ والثَّباتِ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتُوا عِنْدَهُ وسَكَنُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ.
وأمّا بَيانُ الثّانِي: وهو أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو صَرِيحٌ.