Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:25-26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ.