Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذا اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصُودُ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ، وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النَّحْلِ: ٩٢] والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنى الحَلِفِ والقَسَمِ، وقِيلَ لِلْحَلِفِ يَمِينٌ، وهو اسْمُ اليَدِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَبْسُطُونَ أيْمانَهم إذا حَلَفُوا أوْ تَحالَفُوا، وقِيلَ: سُمِّيَ القَسَمُ يَمِينًا لِيَمِينِ البِرِّ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ نَقَضُوا عُهُودَهم، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ المُرادَ نَكْثُهم لِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الإيمانِ، فَيَكُونُ المُرادُ رِدَّتَهم بَعْدَ الإيمانِ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ“ والأوَّلُ أوْلى لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ ولِأنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في ناقِضِي العَهْدِ لِأنَّهُ تَعالى صَنَّفَهم صِنْفَيْنِ، فَإذا مَيَّزَ مِنهم مَن تابَ لَمْ يَبْقَ إلّا مَن أقامَ عَلى نَقْضِ العَهْدِ.