Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: قَدْ أذِنَ اللَّهُ في مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، فاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعاهَدَهم، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ نَقَضُوا العَهْدَ فَأوْجَبَ اللَّهُ النَّبْذَ إلَيْهِمْ، فَخُوطِبَ المُسْلِمُونَ بِما يُحَذِّرُهم مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِمّا عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ وتَخَلَّفَ المُنافِقُونَ وأرْجَفُوا بِالأراجِيفِ، جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ، فَنَبَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَهْدَ إلَيْهِمْ» .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْقُضَ النَّبِيُّ ﷺ العَهْدَ ؟
قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَنْقُضَ العَهْدَ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ لَهُ مِنهم خِيانَةٌ مَسْتُورَةٌ، ويَخافَ ضَرَرَهم فَيَنْبِذَ العَهْدَ إلَيْهِمْ، حَتّى يَسْتَوُوا في مَعْرِفَةِ نَقْضِ العَهْدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنْفالِ: ٥٨] وقالَ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنْفالِ: ٥٦] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ لِبَعْضِهِمْ في وقْتِ العَهْدِ أنْ يُقِرَّهم عَلى العَهْدِ فِيما ذُكِرَ مِنَ المُدَّةِ إلى أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ، فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِ العَهْدِ بَيْنَهم قَطَعَ لِأجْلِ الشَّرْطِ.