Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:72-75
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ: