Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِ الكَبائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ مَعْناهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] ومِن قَوْلِهِ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ، فَكانَ مَعْناهُ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَبائِرِ صارَتْ صَغائِرُهُ مَغْفُورَةً وإلّا لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا الحُكْمُ وإنْ كانَ ثابِتًا في حَقِّ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ طاعاتِ أهْلِ بَدْرٍ كانَتْ عَظِيمَةً وهو قَبُولُهُمُ الإسْلامَ، وانْقِيادُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإقْدامُهم عَلى مُقاتَلَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ سِلاحٍ وأُهْبَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الثَّوابَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ كانَ أزْيَدَ مِنَ العِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذا الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ صارَ هَذا الذَّنْبُ مَغْفُورًا، ولَوْ قَدَّرْنا صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ لَما صارَ مَغْفُورًا، فَبِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ حَصَلَ لِأهْلِ بَدْرٍ هَذا الِاخْتِصاصُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو إباحَةُ الفِداءِ.