Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:67-68
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ فالمُرادُ الفِداءُ، وإنَّما سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا ومَتاعَها عَرَضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ ولا دَوامَ، فَكَأنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ، ولِذَلِكَ سَمّى المُتَكَلِّمُونَ الأعْراضَ أعْراضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَها كَثَباتِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها تَطْرَأُ عَلى الأجْسامِ، وتَزُولُ عَنْها مَعَ كَوْنِ الأجْسامِ باقِيَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ وتَزُولُ، وإنَّما يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ الدّائِمَةِ المَصُونَةِ عَنِ التَّبْدِيلِ والزَّوالِ.
واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: لا كائِنَ مِنَ العَبْدِ إلّا واللَّهُ يُرِيدُهُ؛ لِأنَّ هَذا الأسْرَ وقَعَ مِنهم عَلى هَذا الوَجْهِ، ونَصَّ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُهُ بَلْ يُرِيدُ مِنهم ما يُؤَدِّي إلى ثَوابِ الآخِرَةِ وهو الطّاعَةُ دُونَ ما يَكُونُ فِيهِ عِصْيانٌ.
وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى ما أرادَ أنْ يَكُونَ هَذا الأسْرُ مِنهم طاعَةً وعَمَلًا جائِزًا مَأْذُونًا، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ إرادَةِ كَوْنِ هَذا الأسْرِ طاعَةً نَفِيُ كَوْنِهِ مُرادَ الوُجُودِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: الشَّيْءُ مُرادٌ بِالعَرَضِ مَكْرُوهٌ بِالذّاتِ.
صفحة ١٦١