Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:61-64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: العَرَبُ كانُوا قَبْلَ مَقْدِمِ الرَّسُولِ طالِبِينَ لِلْمالِ والجاهِ والمُفاخَرَةِ، وكانَتْ مَحَبَّتُهم مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ، وكانُوا بِأدْنى سَبَبٍ يَقَعُونَ في الحُرُوبِ والفِتَنِ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، زالَتِ الخُصُومَةُ والخُشُونَةُ عَنْهم، وعادُوا إخْوانًا مُتَوافِقِينَ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْفَتَحَتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الدُّنْيا وتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِها عادُوا إلى مُحارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهَذا هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ في هَذا البابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ قادِرٌ قاهِرٌ، يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ في القُلُوبِ، ويُقَلِّبُها مِنَ العَداوَةِ إلى الصَّداقَةِ، ومِنَ النَّفْرَةِ إلى الرَّغْبَةِ، حَكِيمٌ بِفِعْلِ ما يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، أوْ مُطابِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والصَّوابِ عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في الجَبْرِ والقَدَرِ.