Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:45
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَّمَهم إذا التَقَوْا بِالفِئَةِ وهي الجَماعَةُ مِنَ المُحارِبِينَ نَوْعَيْنِ مِنَ الأدَبِ:
الأوَّلُ: الثَّباتُ وهو أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى اللِّقاءِ ولا يُحَدِّثُوها بِالتَّوَلِّي.
والثّانِي: أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا بِقُلُوبِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ وبِألْسِنَتِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِذِكْرِهِ في أشَدِّ أحْوالِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ أنْ يُخْلِيَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ يُنْفِقُ الأمْوالَ سَخاءً، والآخَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَ الذّاكِرُ لِلَّهِ أعْظَمَ أجْرًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الذِّكْرِ الدُّعاءُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى.